محمد بن جرير الطبري
4
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
10706 - حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا وهم أهل الشقاء . ثم قال : إلا أن يشاء الله وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الايمان . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول ابن عباس ، لان الله جل ثناؤه عم بقوله : ما كانوا ليؤمنوا القوم الذين تقدم ذكرهم في قوله : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها . وقد يجوز أن يكون الذين سألوا الآية كانوا هم المستهزئين الذين قال ابن جريج : إنهم عنوا بهذه الآية ولكن لا دلالة في ظاهر التنزيل على ذلك ولا خبر تقوم به حجة بأن ذلك كذلك . والخبر من الله خارج مخرج العموم ، فالقول بأن ذلك عني به أهل الشقاء منهم أولى لما وصفنا . واختلفت القراء في قراءة قوله : وحشرنا عليهم كل شئ قبلا فقرأته قراء أهل المدينة : قبلا بكسر القاف وفتح الباء ، بمعنى معاينة ، من قول القائل : لقيته قبلا : أي معاينة ومجاهرة . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين : وحشرنا عليهم كل شئ قبلا بضم القاف والباء . وإذا قرئ كذلك كان له من التأويل ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون القبل : جمع قبيل كالرغف التي هي جمع رغيف ، والقضب التي هي جمع قضيب ، ويكون القبل : الضمناء والكفلاء وإذا كان ذلك معناه ، كان تأويل الكلام : وحشرنا عليهم كل شئ كفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم ، ما آمنوا إلا أن يشاء الله . والوجه الآخر : أن يكون القبل بمعنى المقابلة والمواجهة ، من قول القائل : أتيتك قبلا لا دبرا ، إذا أتاه من قبل وجهه . والوجه الثالث : أن يكون معناه : وحشرنا عليهم كل شئ قبيلة قبيلة ، صنفا صنفا ، وجماعة جماعة . فيكون القبل حينئذ جمع قبيل الذي هو جمع قبيلة ، فيكون القبل جمع الجمع . وبكل ذلك قد قالت جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال : معنى ذلك : معاينة .